أخبار وطنية الانقطاع الدراسي يقرع جرس مدارسنا: نظم تربوية مهترئة ومجانية التعليـم كـذبـة كبـرى
تزامنا مع العودة المدرسية، جاءت الارقام والاحصائيات التي قدمها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لتقرع ناقوس خطر لامناص من الانتباه اليه. الالاف من التلاميذ يغادرون مقاعد الدراسة متجهين الى الشارع تارة والى الاعمال اليومية الشاقة رغم حداثة سنهم. الملف خطير ومثير للحيرة.
ما الذي يدفع باطفالنا الى الهروب من ساحات المدارس والمعاهد؟ من يتحمل مسؤولية هذا التسرب الدراسي؟ كيف السبيل الى معالجة هذه الظاهرة؟
عزوف التلميذ عن ساعات الدرس الطويلة
ولئن تعددت اسباب الانقطاع المدرسي، فان لإهتراء المنظومة التربوية التونسية دورا هاما في عزوف التلاميذ. المستشار الدولي في تقييم وتطوير النظم التربوية محمد بن فاطمة يتحدث عن تخلف البرامج البيداغوجية والنظم التربوية. في هذا السياق يعرج الخبير على حجم الدروس المسدات للتلاميذ، وذلك عبر اثقال كاهل التلميذ بساعات دراسة طويلة اسبوعيا مقارنة بالدول الاخرى. كما اشار بن فاطمة الى غياب الفضاءات الترفيهية في المؤسسات التربوية التونسية، وهو ما يصيب التلميذ بالملل و العزوف عن مواصلة النهل من العلم.
كفاءات تونسية مهمشة
واتهم الخبير في تقييم وتطوير النظم التربوية وزارة التربية بتهميش الجانب البحثي لتطوير مناهج التعليم، قائلا ان جل الاجتماعات التي تعقد داخل الوزارة لا تتعدى النقاشات البيزنطية والتنظير دون الاستعانة بالخبرات التونسية.
وما يحز في النفس، وفق محمد بن فاطمة، هو مساهمة العشرات من الكفاءات التونسية في تطوير النظم التربوية بعدد من الدول (الكويت والمغرب والبحرين والاردن)، بينما ترفض السلطات التونسية تشريكهم في تغيير النظم البيداغوجية المحلية.
و اتهم بن فاطمة اصحاب القرار بعدم العمل على انشاء معاهد عليا للتعليم وكليات للتربية لتكوين مهندسين في النظم التربوية، تعهد لهم فيما بعد مسؤولية دراسة وتغيير وتطوير المناهج المدرسية.
غياب القرار السياسي لاصلاح المنظومة الدراسية
ولخّص كاتب عام نقابة التعليم الابتدائي الطاهر ذاكر اسباب الانقطاع المدرسي في جملة من العوامل. حيث اتهم الدولة باتخاذ خيارات سياسية ساعية للتفريط في المنظومة التربوية للقطاع الخاص وذلك تماشيا مع املاءات صندوق النقد الدولي وبعض المؤسسات الدولية المقرضة. ولفت الطاهر ذاكر انتباهنا الى تغير رؤية المجتمع والتلميذ للمدرسة كفضاء للنجاح في السلم المهني، مبينا ان قدوة التلميذ لم تعد المعلم والمهندس والطبيب بل صار نجوم الكرة والفن هم المثال الذي يحتذي بهم.
كما نبّه كاتب عام نقابة التعليم الابتدائي الى انتشار نوع اخر من التعليم الموازي كالكتاتيب والروضات القرآنية بالاضافة الى مسؤولية بعض الاولياء في اثقال كاهل ابنائهم ببعض الاشغال اليومية وهو ما يبعدهم عن المحيط الدراسي.
وحسب الاحصائيات التي كشف عنها مؤخرا المنتدى الوطني للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، سجل الانقطاع المدرسي الارادي ارقاما مفزعة ليبلغ 112652 منقطع سنة 2011/2012. كما بلغ عدد المنقطعين في المرحلة الابتداية 9887 اي بنسبة 8.78 بالمائة و48894 منقطع في المرحلة الاعدادية اي بنسبة 43.40 بالمائة، اما في المرحلة الثانوية فقد بلغ عدد المنقطعين 53871 اي بنسبة 47.82 بالمائة. ورغم مبدأ اجبارية التعليم بالنسبة للتلاميذ من سن السادسة الى السادسة عشر الذي نص عليه الفصل الاول من القانون التوجيهي عدد 80 لسن 2002 الا ان الواقع المدرسي اثبت عكس ذلك تقريبا.
كما اكدت الاحصائيات ان التسرب المدرسي هو ظاهرة ذكورية بامتياز، فعدد الذكور المنقطعين يتجاوز الثلثين مقابل الثلث بالنسبة للاناث.
الطريق الى المدرسة على ظهور الاحمرة..
في قرية الحميدات من معتمدية الدهماني مثلا، يعتمد الاهالي على الاحمرة لايصال ابنائهم الى المدرسة الابتدائية التي تبعد عن التجمع السكني ما لا يقلّ عن 3 كلم. مع فجر كل يوم يضطر الاولياء الى التفرغ لابنائهم، مرافقين اياهم على الاحمرة كوسائل نقل وحيدة متوفرة لديهم. فالطريق الرابطة بين الحميدات والمدرسة غير معبدة والامطار الغزيرة التي يأتي بها الشتاء تغطي المسلك الريفي محوّلة اياه الى اوحال يصعب اجتيازها من قبل الاطفال. محرز النفاتي والد الفتاتين زينب وغادة لم يجد من حل لتفادي مشقة التنقل اليومي من والى المدرسة رفقة ابنتيه سوى انقطاعهنّ عن الدراسة. فالاعاقة العضوية التي يعاني منها وراءه و القاء ابنتيه الوحيدتين في الطريق الموحل والصعب نحو المدرسة اماه .
على غرار زينب وغادة، تشهد الحميدات وغيرها من ارياف تونس تسرب العشرات من التلاميذ من مقاعد الدراسة ليجدوا انفسهم وسط حضائر البناء رغم صغر سنهم, فضلا عن هروب اخرين الى تونس العاصمة رغم ما ينتظرهم من مخاطر، وهو ملف اخر حارق.
محمد الجلالي ويثرب بشيري